زكريا القزويني

92

عجائب المخلوقات وغرايب الموجودات

( ومنها نار الحرتين ) كانت ببلاد عبس فإذا كان الليل تسطع من السماء ، وكانت بنو طيئ تنفش بها إبلها من مسير ثلث وربما بدر منها عبق ، « 1 » فيأتي كل شيء بقربها فتحرقه ، وإذا كان النهار كانت دخانا ، فبعث اللّه تعالى خالد ابن سنان العبسي - وهو أول نبي من بني إسماعيل - فاحتفر لها بئرا وأدخلها ، والناس ينظرون حتى غيبها وقصتها مشهورة . 39 فصل : في الشهب وانقضاض الكواكب زعموا أن الدخان إذا صعد الهواء ولم تصبه برودة حتى يصل إلى الطبقة النارية ، فإن لم تنقطع مادته عن الأرض وكان في الدخان دهنية تشتعل النار فيه ، ويصير كله نارا ، ويرجع إلى مادة الدخان ، مثاله : أن السراج إذا طفئ وجعل تحت شعلته سراج آخر ، فإذا وصل دخان المنطفئ إلى الشعلة ترجع النار عن الشعلة وتوقد السراج المنطفئ ، وأما إذا كانت مادته لطيفة تأخذها النار وتصير نارا صرفا ، وقد ذكرنا أن النار الصرف لا ترى وإن كانت المادة كثيفة ، فإذا أخذت النار فيها تبقى زمانا ، فترى منها أشكالا بحسب مادة الدخان وهيئتها ، فربما ترى كوكبا ذا زاوية على شكل تنين « 2 » أو على شكل حيوان ذي قرنين ، أو على شكل أعمدة مخروطة ، وربما يرى على شكل كرة تتدحرج على شكل الفلك ، وربما كانت المادة الدخانية كثيرة ، فإذا أخذت النار فيها اشتعلت اشتعالا عظيما حتى أضاء الهواء منها ، واستنار وجه الأرض منها ، واللّه الموفق للصواب . 40 خاتمة من الحكماء من شبه تعلق النفس الإنسانية ببدنه إذا صار مستعدّا لقبول النفس بتعلق النار بالفتيلة إذا صارت مستعدة لذلك ، وكما أن إبطال هذا التعلق سهل بنفخة أو غيره ، فكذلك

--> ( 1 ) العبق : الريح الطيبة قال : عبق به الطيب عبقا أي : ظهر ريحه بثوبه أو ببدنه ، وعبق رائحة الطيب أي : ذكاها . ( 2 ) التنين نوع من الحيات كأكبر ما يكون منها وهو أيضا نوع من السمك ، وهو يكون ملازم لقعر البحر دائما خوفا من السحاب . قال أبو عمرو عثمان بن بحر الجاحظ : وهل سمعت ما يتحدث به عن التنين والسحاب ، فإنه يقال : إن السحاب كالموكل به يختطفه حيث ما يقفه كما تخطف حجر المغناطيس الحديد ، حتى صار لا يطلع رأسه من بطن الأرض خوفا من السحاب ، ولا يخرج في الفرط إلا مرة إذا أضحت السماء فلم يكن فيها نكتة من غيم فلم وكل السحاب بالتنين يرصده ويخطفه إذا وجده إلا ليدفع عن الناس ضره ، فإن قلت : ولما خلق التنين أصلا ؟ قلنا : للتخويف وللترهيب وللنكال في موضع ذلك فهو كالسوط المعلق يخوف به أهل الريب أحيانا للتأديب والموعظة . انظر الدلائل والاعتبار ( 33 ) .